بيان من علماء لبنان

بيان من علماء لبنان :

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد :

لما كانت الولايات المتحدة الاميركية منحازة كل الانحياز الى اسرائيل، وهي تمده بأسباب القوّة من مال وسلاح وعتاد ودعم سياسي غير محدود، وحماية كاملة وغطاء في مجلس الامن لكل أشكال الإرهاب الصهيوني اليومي ضد أطفال ونساء وشيوخ وشباب الشعب الفلسطيني، فإنها تعتبر البادئة في إظهار العداء للاسلام وللعرب.. وهي التي وضعت نفسها في خانة الذين يعملون على سحق إرادة الشعب الفلسطيني في الحرية والديموقراطية والاستقلال، وهو صاحب الحق الشرعي في ارض فلسطين كل فلسطين.

ورغم ذلك فإن العرب كل العرب والفلسطينيون في جملتهم رفضوا ما حدث يوم الحادي عشر من ايلول الماضي في نيويورك وما نتج عنه من قتل الآلاف من المدنيين الأبرياء.

إنه لا يصح مقارنة التفجيرات التي وقعت في اميركا مع العمليات الاستشهادية التي تقع في فلسطين.
فالمقاومة ضد العدو الصهيوني المحتل واجب شرعي وهي مشروعة في جميع الاعراف والقوانين الدولية، بل حتى في قرارات الامم المتحدة، وهذا ما قامت به أميركا ضد البريطانيين وأوروبا ضد النازيين، وكل شعب احتلت أرضه. وبما أنه ليس هناك تكافؤ في السلاح وسائر الامكانات، لأن الولايات المتحدة ضمنت تفوق الصهاينة عسكريا على جميع الدول العربية، لم يجد رجال المقاومة أمامهم إلا العمليات الاستشهادية وسيلة فعالة للنكاية بالعدو. هذه العمليات تستهدف اصلا العسكريين لكنها إذا أصابت غيرهم فهم أيضا عسكريو احتياط، إذ المعروف ان كل الصهاينة رجالا ونساء هم جنود احتياط. أضف الى ذلك انهم جميعا اجانب محتلون، ومن حق أهل البلاط طردهم، وإذا لم يخرجوا فقد عرضوا أنفسهم للموت.

من واجب الولايات المتحدة قبل أن تطالب العالم اليوم أن يقف معها لمحاربة الارهاب بعد أن ذاقت بعض ويلاته، أن تراجع نفسها لترى كم من الأعمال الارهابية قامت بها مباشرة أو هي التي تتحمل مسؤوليها.

نود أن نقدم بعض النماذج من الارهاب الأميركي:

1 مذبحة الهنود الحمر في أميركا التي قال عنها المؤرخ الأميركي <<ديفيد ستارند>> إنها (أكبر مذبحة جماعية في تاريخ العالم).

2 قصف مدينتي هيروشيما وناكازاكي، وقد قتل في ذلك القصف أكثر من ربع مليون قتيل ودمرت مدينتان بالكامل، بالاضافة الى قصف الطائرات الأميركية لطوكيو وأهم مدن اليابان الأخرى بحجة التعجيل بإنهاء الحرب العالمية الثانية. وكل ذلك أعمال موجهة ضد مدنيين أبرياء، وليس ضد جيش مقاتل.

3 قصف مدينة (فينية) الفياتنامية بطائرات (ب 52) وتسويتها بالأرض وقتل مئات الألوف من سكانها المدنيين البالغ عددهم ستمائة ألف نسمة.

4 قصف ملجأ العامرية في بغداد على من فيه من المدنيين، وقصف مصنع الشفاء في السودان بحجة أنه مصنع للأسلحة الكيماوية، ثم تبين أنه مصنع للدواء. وحتى لو كان مصنعا للأسلحة فبأي حق أو قانون تسمح الولايات المتحدة لنفسها صنع كل أنواع الأسلحة التي تدمر العالم، وتمنع غيرها من الدول من صنع السلاح الذي تدافع به عن نفسها.

5 إسقاط الطائرتين المدنيتين الايرانية والليبية اللتين كانتا تحملان مئات الركاب المدنيين الأبرياء، وكان من بين قتلى الطائرة الليبية وزير الخارجية آنذاك صالح بوبصير رحمه الله.

6 متفجرة بئر العبد التي أدت الى قتل وجرح المئات من المدنيين الأبرياء.

7 التسبب بوفاة أكثر من مليون طفل خلال عشر سنوات بسبب استمرار محاصرة الشعب العراقي وتجويعه بحجة معاقبة النظام.

وهذه نماذج من الارهاب الصهيوني:

لقد كان الصهاينة أول من أدخل الارهاب أسلوبا في ادارة الصراع ضد أعدائهم حتى قبل قيام دولتهم المغتصبة، وبغض النظر عن آلاف الحوادث الارهابية التي طبعت وجودهم في فلسطين منذ بداية هذا القرن يكفي أن نتذكر:

1 مذبحة دير ياسين سنة 1948 وقد قتل فيها أكثر من 250 شخصا ذبحا، منهم مائة أمرأة وطفل على يد عصابة الأرغون بقيادة مناحم بيغن وأدت الى هروب مئات الألوف وبناء مستوطنة يهودية مكان المدينة العربية.

2 قتل الأسرى المصريين في سيناء سنة 1967، وقصف مدرسة بحر البقر أثناء وجود الطلبة فيها.

3 مذابح صبرا وشاتيلا التي ذهب ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف من الفلسطينيين أكثرهم من النساء والشيوخ والأطفال، والتي أقيل بسببها شارون من وزارة الدفاع لتحميله مسؤوليتها.

4 مجزرتي الحرم الابراهيمي والحرم المقدسي اللتين أدتا الى استشهاد أعداد كبيرة من المصلين.

5 مذبحة قانا سنة 1996 التي ذهب ضحيتها أكثر من مائة مدني لبناني في مخيم قانا التابع للأمم المتحدة، وجميعهم من الشيوخ والنساء والأطفال. وزعم الصهاينة أن الهجوم على قانا كان على سبيل الخطأ.

6 المذبحة المستمرة منذ سنة بحجة الانتفاضة والتي ذهب ضحيتها حتى الآن (725 من الشهداء) وأكثر من ثلاثين ألف من الجرحى.

والعالم كله يعلم أن الصهاينة قاموا بهذه المجازر بسلاح أميركي، وبتغطية أميركية كاملة، وبتأييد مطلق أمام المحافل الدولية.

لماذا وجهت الاتهامات ضد المسلمين؟

فور وقوع التفجيرات توجهت أصابع الاتهام ضد العرب والمسلمين وابن لادن وطالبان، لأنهم وجدوا بين قوائم ركاب الطائرات المخطوفة أسماء عربية. لكن:

- ذكرت صحيفة الواشنطن بوست الاميركية نقلا عن تقرير صادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي في 20/10/1999 (إن المتطرفين المسيحيين الاميركيين يستعدون للقيام بأعمال عنف كبيرة في بداية القرن الحادي والعشرين في الولايات المتحدة. وان هذا العنف المتوقع سيكون راجعا لاعتقاد الذين يؤمنون بالانجيل بأن نهاية العالم ستكون في الألفية الثالثة. وان عددا من المنظمات الدينية التي تنتظر يوم الدينونة سنة 2000 خزنت اسلحة في مخابئ سرية بغية تنفيذ اعتداءات تستهدف قواعد للجيش الاميركي ومكاتب الامم المتحدة والسكان السود والاقليات العرقية). ولذلك فقد طلب مكتب التحقيقات الفيدرالي من اجهزة الشرطة المحلية (مراقبة الميليشيات المتطرفة والطوائف التي يمكن ان تستغل حلول عام 2000 للقيام بأعمال إرهابية او عمليات انتحار جماعي). هذا التقرير من اربعين صفحة وزع في حينه عبر العالم.

- نقلت وكالة القدس برس في 24/9/2001 عن خبير الطيران البحريني اسحق الكوهجي استحالة الفرضية الاميركية القائلة بأن الطائرات التي ارتطمت بمركز التجارة العالمي ومبنى وزارة الدفاع مختطفة، وأشار الى ان الطائرات الضخمة التي تم استخدامها حلقت على ارتفاعات منخفضة وبسرعة عالية مصيبة اهدافها بدقة، وهذا ما لا يقدر الطيارون العاديون على إنجازه، واعرب عن اعتقاده بأن خبراء متطورين ربما يرقون الى درجة مصنعي الطائرات قاموا بالتلاعب بأجهزة التحكم والسيطرة على الطائرات حاسوبيا بحيث أنها توجهت الى اهدافها بدقة متناهية، وأوضح ان هذا التلاعب في برمجة حواسيب الطائرات يمكن ان يتم خلسة قبل إقلاعها، بحيث ينطلق عمل البرمجة في مرحلة معينة من تحليق الطائرة، وتلغى سيطرة الطيار وتنحرف الطائرة عن مسارها، وتتجه نحو الهدف المحدد لها. وتساءل الطيار الكوهجي عن السبب الكامن وراء عدم تلقي الخدمات الأرضية للمطارات الاميركية أية إشارة من الطائرات تفيد أنها مختطفة، علما ان ذلك ممكن بكبسة زر واحدة ودون شعور الخاطفين، مما يشير الى احتمال ان البرمجة المفترضة للطائرات كانت متقنة لدرجة أنها عطلت اجهزة الاتصال مع الرقابة الأرضية.

هذه المعلومات تشير الى اكثر من احتمال. فلماذا تستبعد الادارة الاميركية هذه الاحتمالات، وتقرر ضرب أفغانستان بحجة انها تؤوي ابن لادن وهو المشتبه به الأول كما يقولون، إنما لم تثبت ادانته حتى عندهم بأدلة قاطعة. وقالوا انهم سيطلعون حلفاءهم على أدلة قاطعة ثم اعتذروا عن ذلك بأنها سرية.

إننا نطالب الحكومة الأميركية بالتوقف عن استخدام القوة العسكرية ضد أفغانستان، ونعتبر هذا الأمر ارهابا جديدا يستحق ادانة العالم كله. وسيؤدي الى قتل الآلاف من المدنيين الأبرياء وسيوقع الانسانية كلها في جحيم الانتقام بإرهاب آخر. ونطالبها بإعادة النظر في سياستها القائمة على ارهاب العالم بالقوة الأميركية، وعلى دعم الارهاب الصهيوني الذي يقوم على قتل شعب كامل واخراجه من وطنه أو إذلاله فيه.

ونؤكد أنه لا يجوز بحال مساعدة الولايات المتحدة في اعتداءها العسكري ضد أفغانستان بحجة مكافحة الارهاب لا من قبل الدول ولا الأفراد ولا التنظيمات طالما أن المطلوب فعلا أفغانستان والمتضرر شعبها المسلم المظلوم <<لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء...) سورة آل عمران، الآية 28.

بل الواجب يقتضي أن تهب الدول الاسلامية كلها شعوبا وحكومات لنصرة أفغانستان وشعبها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه..).

إننا نؤيد علماء وقادة الحركات الاسلامية في العالم الذي يؤكد أن الارهاب لا يحارب الا من خلال اقرار العدالة والانصاف في العالم. ويحذر جميع المسلمين أن يكونوا شركاء أو مساندين تجاه العدوان الأميركي، ولا حتى متفرجين أو محايدين، بل يدعوهم للوقوف مع العدل ضد الظلم. ويعتبر أن السياسات الجائرة القائمة على الظلم والاستغلال والاحتلال هي التي تزرع بذور الارهاب في العالم.

ونطالب أخيرا بعقد قمة للدول الاسلامية من أجل اتخاذ موقف موحد ضد جميع صور الارهاب وخاصة رفض العدوان الأميركي على أي قطر من أقطارهم، ونؤيد الدعوة التي أطلقتها كثير من الدول العربية الى عقد مؤتمر دولي تقدم فيه أميركا ما لديها من أدلة، ليتخذ المؤتمر قراراته في ضوء الحقائق وفي اطار مبادئ العدل والانصاف وضرورة معاقبة كل أنواع الارهاب، مع تمييزه عن حركات المقاومة والتحرر المشروعة إسلاميا وفي الأعراف والقوانين الدولية وخاصة ميثاق الأمم المتحدة.
إذا كانت أميركا تشن اليوم حربا على أفغانستان بحجة إيوائها للارهاب، فإنها هي نفسها مدانة أيضا باحتضانها للارهاب الصهيوني وتبنيها لجميع جرائمه الوحشية وتبريرها ومنع مجلس الأمن من ادانتها بممارسة حق الفيتو.

إن الاعتداء على الشعب الأفغاني المسلم بحجة طالبان أو بن لادن هو استمرار للسياسة الأميركية الظالمة ومواصلة لإرهاب الدولة، واننا نحذر أميركا ونقول لها: إن سنة الله لن تتبدل بحق القوم ( الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، فصبّ عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد ) .