|
الحمد لله خلق كل شيءٍ فقدر ه
تقديرا. أحمده سبحانه وأشكره, وأتوب إليه
وأستغفره, والتجئ إليه من يوم كان شره مستطيرا,
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد
أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله
بعثه بين يدي الساعة بشيراً ونذيرا, صلى الله
عليه وعلى آله وصحبه والتابعين
بإحسان وسلم تسليماً كثيراً
أما بعد :
أيها المسلمون, تعالى ربنا وتنزه أن يخلق
السموات والأرض وما بينهما بلا حكمة ( وما
خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين )
وتبارك وتقدس أن يترك الإنسان بلا مهمة (
أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) ، ( أفحسبتم أنما
خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) خلق
الخلق ليعبدوه , وأنشأهم من الأرض واستخلفهم
فيها ليطيعوه ويتقوه
فمن أراد دوام العافية, ورام حسن العاقبة ..
فليعبد الله وليتقه ؛ عبادةً وتقوى على
الدوام , واستقامةً على الهدى في جميع الشهور
والأيام, ليس لعموم الطاعة زمن محدود, وليس
للتقوى موسمٌ مخصوص .. إنها حق الله على العباد.
يعمرون بها أوقاتهم, ويستعملون فيها أبدانهم,
ويخلصون بها له قلوبهم
ولئن تفاضلت بعض الأيام والشهور وتضاعفت في
بعض الأيام والشهور ، وتضاعفت في بعض المواسم
الأجور
فما ذلك إلا من أجل مزيد العمل , وتنشيط الهمم
.. تألف فيها النفوس الطاعةَ , وتستيقظ فيها من
بعد غفلة
والمغبون من لم يعرف ربه إلا في أيام معلومة
أو ساعات معدودة .. ثم يعود من بعد ذلك إلى
غيِّه وغفلتِه , ينتكس في المعاصي , ويرتكس في
الآثام .. نعوذ بالله من الخذلان
معاشر الإخوة , ولئن ودَّع المسلمون مواسم
الخير من ذي الحجة .. فهاهم في وداع عام هجري
ليستقبلوا عاماً غيره . فحق عليهم الوقفة
الصادقة مع النفس محاسبة ومساءلةً . فوا الله
لتموتنَّ كما تنامون , ولتبعثنَّ كما
تستيقظون , ولتجزونَّ بما كنتم تعملون . فجنة
للمطيعين , ونارٌ جهنم للعاصين ( أفمن يلقى فى
النار خيرٌ أم من يأتي آمناً يوم القيامة
اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير )
إخوتي في الله : من غفل عن نفسه تصرمت أوقاته ,
ثم اشتدت عليه حسراته . وأيُّ حسرةٍ على العبد
أعظم من أن يكون عمره عليه حجة ً, وتقوده أيامه
إلى المزيد في الردى والشقوة. إن الزمان
وتقلباته أنصح المؤدبين, وإن الدهر بقوارعه
أفصح المتكلمين فانتبهوا بإيقاظه واعتبروا
بألفاظه . ورد في الأثر (أربعة من الشقاء : جمود
العين , وقسوة القلب وطول الأمل والحرص على
الدنيا )
معاشر الإخوة : من حاسب نفسه في الدنيا خف في
القيامة حسابه وحسن في الآخرة منقلبه , ومن
أهمل المحاسبة دامت حسرته وساء مصيره وما كان
شقاء الأشقياء إلا لأنهم كانوا لا يرجون
حساباً. وقعوا ضحايا خداع أنفسهم وأحابيل
شياطينهم وافتهم المنايا وهم في غمرة ساهون.
في الشباب من غره شبابه فنسي فقدان الأقران
وغفل عن سرعة المفاجآت وتعلق بالآمال
والأماني وما هي والله إلا أوهام الكسالى
وأفكار اللاهين وما الاعتماد عليها إلا بضائع
الحمقى ورؤوس أموال المفاليس والتمني
والتسويف إضاعة للحاضر والمستقبل. وفي أهل
العلم من جد في التحصيل وغفل عن العمل أعطوا
علوماً فصرفوها في الرياء والمجادلات والعلو
على الأقران يمزق دينه من أجل ترقيع دنياه لا
يتحاشى غيبةً ولا يسلم من حسد وفي أهل الدنيا
من صرف أمواله في الشهوات والمحرمات وأشد
هؤلاء من كسب مالاً فأدخله النار وورثه من
بعده قومٌ صالحون عملوا فيه بطاعة الله
فأدخلهم الجنة ، ليس أعظم حمقاً ممن ضيع ماله
وأصلح مال غيره وقد علم أن ماله ما قدم ومال
غيره ما خلف. ألا ينظر هؤلاء وهؤلاء ؟؟ لقد وهن
العظم وابيض الشعر ورحل الأقران ولم يبق إلا
الرحيل. عجيب حال هذا الغافل : يوقن بالموت ثم
ينساه ويتحقق من الضرر ثم يغشاه يخشى الناس
والله أحق أن يخشاه يغتر بالصحة وينسى السقم
ويفرح بالعافية ولا يتذكر الألم يزهو بالشباب
ويغفل عن الهرم يهتم بالعلم ولا يكترث بالعمل
،يحرص على العاجل ولا يكفر في خسران الآجل
ويطول عمره ويزداد ذنبه يبيض شعره ويسودّ
قلبه قلوب مريضة عز شفاؤها وعيون تكحلت
بالحرام فقل بكاؤها وجوارح غرقت في الشهوات
فحق عزاؤها. سبحان الله - عباد الله – ألم يأن
لأهل الغفلة أن يدركوا حقيقة هذا الدار أما
علموا أن حياتهم عناء ونعيمها ابتلاء جديدها
يبلى وملكها يفنى ودها ينقطع وخيرها ينتزع
المتعلقون بها على وجل إما في نعمٍ زائلة أو
بلايا نازلة أو منايا قاضية ( يا قوم إنما هذه
الحياة الدنيا متاع وإن الأخرة هي دار القرار
) العمر قصير والخطر المحدق كبير والمرء بين
حالين : حالٍ قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه
وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه
وإذا كان الأمر كذلك أيها
الأحبة فعلى صاحب البصر النافذ أن يتزود من
نفسه لنفسه ومن حياته لموته ومن شبابه لهرمه
ومن صحته لمرضه فما بعد الموت من مستعتبً ولا
بعد الدنيا سوى الجنة أو النار. ومن أصلح ما
بينه وبين ربه كفاه ما بينه وبين الناس من صدق
في سريرته حسنت علانيته ومن عمل لأخرته كفاه
الله أمر دنياه. والمحاسبة الصادقة ما أورثت
عملاً فعليك يا عبد الله أن تستدرك ما فات بما
بقي فتعيش ساعتك ويومك ولا تشتغل بالندم
والتحسر من غير عمل واعلم أن من أصلح ما بقي
غفر له ما مضى ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى
وبما بقي والموت يأتيك بغتة فأعط كل لحظة حقها
وكل نفس قيمته فالأيام مطايا والأنفاس خطوات
والصالحات هي رؤوس الأموال والربح جنات عدن
والخسارة نار تلظى لا يصلها إلا الأشقى وأنت
حسيب نفسك. قرأ الحسن رحمه الله قوله تعالى (
عن اليمين وعن الشمال قعيد ) فقال : يا أبن آدم :
بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان أحدهما عن يمينك
و الآخر عن شمالك فصاحب اليمين يكتب الحسنات
وصاحب الشمال يكتب السيئات فاعمل ما شئت أقلل
أو أكثر ؛ فإذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك
فتخرج يوم القيمة فيقال ( اقرأ كتابك كفى
بنفسك اليوم عليك حسيبا ) ثم قال رحمه الله :
عدل - والله – من جعلك حسيب نفسك. فاتقوا الله -
رحمكم الله – وتزودوا في دنياكم ما تحرزون
إلى أنفسكم غدا فمن اتقى الله نصح نفسه وقدم
توبته وقاوم شهوته أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم (وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى
الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع
يطاع يعلم خائنة
الأعين وما تخفى الصدور والله يقضي بالحق
والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله
هو السميع البصير ).
|